ابن خلدون
197
تاريخ ابن خلدون
ثم قال ابنوا على بركة الله فلما بلغ مقدار قامة جاء الخبر بظهور محمد المهدى فقطع البناء وسار إلى الكوفة حتى فرغ من حرب محمد وأخيه ورجع من مدينة ابن هبيرة إلى بغداد واستمر في بنائها واستشار خالد بن برمك في نقض المدائن والإيوان فقال لا أرى ذلك لأنه من آثار الاسلام وفتوح العرب وفيه مصلى علي بن أبي طالب فاتهمه بمحبة العجم وأمر بنقض القصر الأبيض فإذا الذي ينفق في نقضه أكثر من ثمن الجديد فأقصر عنه فقال خالد لا أرى اقصارك عنه لئلا يقال عجزوا عن هدم ما بناه غيرهم فأعرض عنه ونقل الأبواب إلى بغداد من واسط ومن الشأم ومن الكوفة وجعل المدينة مدورة وجعل قصره وسطها ليكون الناس منه على حد سواء وجعل المسجد الجامع بجانب القصر وعمل لها سورين والداخل أعلى من الخارج ووضع الحجاج بن أرطأة قبلة المسجد وكان وزن اللبنة التي يبنى بها مائة رطل وسبعة عشر رطلا وطولها ذراع في ذراع وكانت بيوت جماعة من الكتاب والقواد تشرع أبوابها إلى رحبة الجامع وكانت الأسواق داخل المدينة فأخرجهم إلى ناحية الكرخ لما كان الغرباء يطرقونها ويبيتون فيها وجعل الطرق أربعين ذراعا وكان مقدار النفقة عليها في المسجد والقصر والأسواق والفضلان والخنادق والأبواب أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف وثلاثة وثلاثين ألف درهم وكان الأستاذ من البنايين يعمل يومه بقيراط والروز كارى بحبتين وحاسب القواد عند الفراغ منها فألزم كلا بما بقي عنده وأخذه حتى أخذ من خالد بن الصلت منهم خمسة عشر درهما بعد أن حبسه عليها * ( العهد للمهدى وخلع عيسى بن موسى ) * كان السفاح قد عهد إلى عيسى بن موسى بن علي وولاه على الكوفة فلم يزل عليها فلما كبر المهدى أراه المنصور أبوه أن يقدمه في العهد على عيسى وكان يكرمه في جلوسه فيجلس عن يمينه والمهدى عن يساره فكلمه في التأخر عن المهدى في العهد فقال يا أمير المؤمنين كيف بالايمان التي على وعلى المسلمين وأبى من ذلك فتغير له المنصور وباعده بعض الشئ وصار يأذن للمهدى قبله ولعمه عيسى بن علي وعبد الصمد ثم يدخل عيسى فيجلس تحت المهدى واستمر المنصور على التنكر له وعزله عن الكوفة لثلاث عشرة سنة من ولايته وولى مكانه محمد بن سليمان بن علي ثم راجع عيسى نفسه فبايع المنصور للمهدى بالعهد وجعل عيسى من بعده ويقال انه أعطاه أحد عشر ألف ألف درهم ووضع الجند في الطرقات لأذاه واشهاد خالد بن برمك عليه جماعة من الشيعة بالخلع تركت جميعها لأنها لا تليق بالمنصور وعدالته المقطوع بها فلا يصح من تلك الأخبار شئ